الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

43

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

لديه وأشرف ما يملكه لمحبوبه وهو روحه التي بين جنبيه . إنها الميل الدائم نحو المحبوب ، والإيثار له ، وهذه بداية بحارها التي لا قرار لها ، يعقبها لحظة من أخطر لحظات المحب بأن ينسى نفسه ، فتذوب صفاته في صفات محبوبه ، فلا يدرك شيئاً إلا ما أراد ورغب ، ويسعى المحب بكل جهوده إلى موافقة محبوبه في رغباته لأرضائه ، فيكون كل كثير عنده قليل حينما يمنحه له ، وكل قليل لدى المحبوب كثير في نظر المحب . فالمحبة في نظر المحبين : بأن يضع المحب أفعاله ونفسه وماله ووقته لمن يحب منحة منه له ، كما يقتضي من المحب أن يمحو من القلب كل شيء سوى المحبوب ، وهذا كمال المحبة ، أما إذا كان في القلب بقية لغير المحبوب ، فالمحبة مدخولة ، ولا يزال المحب غاضباً على نفسه حتى يرضى محبوبه . لقد اتخذ مشايخ طريقتنا محبة الشيخ وسيلة لتوصيل المريد إلى المحبة المحمدية والإلهية ، لأن الحب هو واسطة انتقال التأثيرات الروحية ، لكونه حالة تتجاوز الحواجز المكانية ولا تعتمد على ما يصل بالحواس من أمر الحبيب . نخلص إلى القول : إن اتباع الوارث المحمدي ( شيخ الطريقة ) يوصل إلى محبته ، وهذه المحبة هي الطريق إلى محبة حضرة الرسول الأعظم صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم ، وهي الطريق الوحيد إلى محبة اللَّه تعالى . ترتيب المحبة في منهج الطريقة يأتي ترتيب المحبة في منهج طريقتنا في مرتبة الوسط بين بداية السلوك ونهاية الوصول ، فالمحبة هي الطريقة التي من خلالها تتلاشى المسافات غير الحسية المعبر عنها بالحجب بين العبد وربه . إنها الطريقة التي تجعل العابد ينتقل من الحضور مع العبادة إلى الحضور مع المعبود فيعبد اللَّه كأنه يراه ، ثم توصله إلى مرتبة فناء العابد في المعبود ، حيث يذوب بنور المحبة ، فلا يبقى منه لنفسه شيء ، فيذهب المحب الفاني وتتجلى فيه أنوار المحبوب الباقي ، أي يفنى عن نفسه ويبقى بربه .